زاوية سيدي البودالي بولاية سعيدة نموذجا
زاوية سيدي البودالي بولاية سعيدة نموذجا - جريدة المغرب الأوسط 04 ماي 2020

تاريخ الزوايا في الجزائر ليس بالأمر الجديد فهي تعود للفترة العثمانية وقبلها وقد انتشرت الزوايا وفروعها عبر التراب الوطني ولكل ارثها التاريخي وتقاليدها واعلامها وشيوخها وطرقها إلا أنها في الواقع اجتمعت في غالبيتها حول تربية وطنية وعبادة ربانية، كرست معالم الدين الإسلامي الحنيف بتسامحه ومعاملته التي ورثتها الأجيال عن السنة النبوية الشريفة كعقيدة جامعة للأمة الإسلامية في أقطاب العالم، لذلك نجد بعض الطرق كالقادرية لسيدي عبد القادر الجيلاني من بغداد بالعراق استلهمت قائد المقاومة الجزائرية خلال رحلته للحجاز لأداء مناسك الحج فجاء محملا بعطر تلك الطريقة.
ورغم أن منشأ الأمير عبد القادر بالقيطنة وهي قرية قريبة من معسكر حيث كانت زاوية والده سيدي محي الدين ابن مصطفى الحسني فإن روحه ارتبطت ايضا بشيخه محي الدين بن العربي بدمشق في سوريا التي لجأ لها في رحلة قادته من بورسا في تركيا بعد إخلاء سبيله من أسره بسجون فرنسا الاستعمارية.
فرنسا التي حلت غير مرحب بجيوشها للجزائر لكن كتائب جيوشها الغاشمة كانت مرفقة ببعثات تنصيرية وهي التي سمحت لها كيفية معاملات الأمير عبد القادر مع أسرى الجيش المحتل ومعهم أحد القساوسة المقبوض عليهم الذي أخلى ابن محي الدين سبيلهم بعد تدخل القس الأكبر بالجزائر العاصمة ” مونسينيار دوباش” احتراما للديانة المسيحية أن يحظى الأمير بمعاملة خاصة من الكنيسة في فرنسا بعد توقيفه. والزوايا وطلابها كانت سباقة للوقوف في وجه المستعمر وهو ما قام به طلاب المدرسة المحمدية بمسجد المبايعة بمعسكر الذين انتفضوا ضد الغزو الاسباني لوهران بالمئات دفاعا عن تدنيس الارض المسلمة أو تعرض طلبة مدرسة قرآنية بعين المانعة بعين الحجر الى مجزرة جماعية أصبحت تسمى بأربعين شاشية. وقد لعبت الزوايا دورا كبيرا في الحفاظ على كتاب الله من خلال إيفاد طلابها لمختلف جهات الوطن لتعليمهم وتحفيظهم لذلك لا تخلو قرية أو دوار بالذكر أن اشترطوا لأبنائهم معلم قرآن جاء من أدرار مثل زاوية مولاي الطيب ومن بشار مثل زاوية القنادسة لسيدي محمد بن زيان وسميت طريقته بالزيانية نسبة إليه أو بإستقدام هؤلاء المعلمين من المغرب الأقصى لتدريس الناشئة أو ذهاب الطلبة إلى هناك لتلقي العلوم الشرعية بفاس والرباط وغيرها من المدن.
لعبت هذه الحركة الدينية دورا هاما في حياة الجزائريين بالرغم من أن بعضها بعد احتلال الجزائر حولت نشاطها الى دور تربوي تعليمي أكثر من أي شيء لما سلط عليها من قبضة حديدية ورغم ذلك انطلقت كل الثورات الشعبية من أولاد سيد الشيخ، إلى الشيخ المقراني الى لالة فاطمة نسومر من عقر هذه الزوايا وتمكنت من تجنيد الجزائريين حولها بشرعية دينية محضة تحارب الاستعمار والاستيطان. وقد تميزت سعيدة قبل ثورة التحرير بأحداث ماي المشهورة التي اعتبرت زاوية مولاي الطيب إحدى قلاع الوعي الوطني في ثوب ثقافي يميز الاحتفالات والمناسبات الدينية انطلاقا من فيلاج بودية حيث درس بها العديد من معلمي القرآن منهم الشيخ مداني بلبالي وعلى بعد أمتار منها الزاوية التجانية لمقدمها الحاج أحمد عيمر وتقاسمتا نفس الدور الذي انتهى بعد اندلاع ثورة التحرير الى تقديم قافلة كبيرة من الشهداء والمجاهدين منهم الشهيد محمد عيمر نجل الشيخ المذكور من هذا الحي. وكون سعيدة تقاسمت اقليميا المنطقتين التاريخيتين الخامسة والسادسة فقد لعبت زاوية أولاد الحاج اعمر مرابط بإبنيه سي بوبكر وسي جلول بجبال سيدي دومة الغابية التي شهدت دار المرحوم لخضر رابح ميلاد تنظيم ثورة التحرير بالناحية الثانية من المنطقة الخامسة نهاية سنة 1954 وتحولت زاوية سي بوبكر الى مركز كبير مثل خيمة حيدة ومنزل الشهيد رباق أكبر مركز ومزرعة أولاد الحاج جلول بيرش التي تعرضت للقصف صائفة 1956 خلال مقتل البطل الشهيد داود بركان وبوزيدي حليمة، وغير بعيد عن هذه الجهة الواقعة في أقصى غرب ولاية سعيدة فإن ساكنة دوار أولاد صحراوي تقاسموا الورد بين القادرية والزيانية التابعة لسي عبد الرحمان بالقنادسة وتداول العديد من المقاديم منهم المرحوم بومدين امحمد ولد المقدم الذي كان والده قبله على الطريقة. أما أقصى شرق ولاية سعيدة وفي حدودها الشرقية فقد لعبت الطريقة الهبرية لسي البودالي دورا مماثلا في التهيئة لثورة التحرير واحتضان ميلاد المنطقة السادسة.
..لكن كيف اصبح ولد سيد البودالي قايد ؟
حسب رواية لمجاهد جيش التحرير بن ربيعة بن ربيعة فإن جده الذي خاض ثورة ضد المستعمر بمنطقة بالول واصبح مطاردا وقد نفي بعد إلقاء القبض عليه الى كاليدونيا فقد قدمت فرنسا مكافأة برتبة قايد لمن يدلي على مكانه، إلا أنه وبعد إصابته اشترط نتيجة تسليم نفسه أن يمنح وسام القيادة لبوذريع لما يحظى به من احترام وكونه شخصية متزنة كرجل دين وعلم يمكنه الحفاظ على عائلته هو أولا وعلى سكان المنطقة برمتهم فكان رأيه سديدا.
…زاوية سيدي البودالي….
تقع بالخريشفة ناحية عيون البرانيس بدائرة أولاد ابراهيم في الحدود مع تيارت أو تخمارت القديمة، تشترك في الامتداد الشاذلي مع عديد الزوايا من داخل و خارج الوطن، استقر فيها الشيخ مع أفراد عائلته وطلبته والموريدين القادمين من كل صوب، أما تكاليف العيش فمن ماله الخاص، وتخصصت في تدريس الفقه والشريعة، كما ساهمت في نشر الأخلاق المحمودة وتلقين حب الوطن وهو ما برز على أفراد عائلته خاصة الإبن المجاهد سي المصطفى بوذريع ضابط جيش التحرير المدعو المعتصم. خلال سنة 1956 حل المرحوم يمني زيدور سي عبد الخالق مع حبيبي الميلود، الشيخ عيشوبة وسي عبد الجبار مع كتيبة، إلى مسكن المعتصم عند سي ابراهيم لتحضير الثورة وتسليم الأسلحة وإثر وشاية تحول المعتصم ومعه قيادة المنطقة مع الإخوة بلحجار لحسن وعبد السعيد نحو عين معمر بجبل سيد البودالي بالزاوية الثانية، أما الأولى فتعرض أصحابها للبطش والتعذيب.
مكنت المصداقية التي تشتهر بها زاوية سيد البودالي الى التحاق العديد من أبناء الجهة بصفوف جيش التحرير بعد العمل التنظيمي السري الذي تم آنذاك وكمنبع روحي توافد اقارب العائلة منهم الشهيدين بوخشة مولاي العربي وبن ابراهيم والمجاهد المتوفي البودالي وعائلة الشوارف سي عبد الغني واخوته، سي أحمد بن نبي، بوخشة عبد العزيز، نجادي محمد ومجاهدات منهن ليلى الطيب، الشريفة، صليحة ولد قابلية، مريم مختاري ثورية، نصيرة، مليكة وأخيها ادريس، وقد تكفلت الزوايا ماديا بتموين هذا المركز الأول لقيادة المنطقة السادسة. تعرضت الزاويتان بعد الاشتباه في نشاطاتها الى التفتيش وقد حرقت وسلط ابشع التعذيب على أصحابها ومضايقتهم، عندها طلب ابن الشيخ بوذريع سي محمد وكان شابا الالتحاق
بالثورة لكن سي عبد الخالق رفض طلبه.
انتقلت الكتيبة المتمركزة هناك الى سيدي يوسف بالحساسنة مرورا بعيون البرانيس وقد إلتحقت بوذريع جميلة المدعوة حياة التي أصيبت في معركة واد العابد التي استشهد فيها مصطفى مولاي مع شهداء آخرين من قيادة المنطقة والقي عليها القبض هي مع رفيقتها دليلة، كما التحق اخوها ذو العارفين والمعروف بالزعيم وهم ابناء سي المصطفى بوذريع بصفوف جيش التحرير وهم في ريعان شبابهم.
زاوية سيد البودالي كغيرها من الزوايا لعبت دورا تربويا ودينيا على مدى عقود عملتها الأساسية المحافظة على كتاب الله، حب الوطن والاعتدال والوسطية في التعامل مما جعلها منارة إشعاع روحي و ديني تتشبع به الأجيال.
هي لا تختلف عن زاوية ايت يحيى بتيزي وزو التي من رحمها ولد أحد مفجري ثورة التحرير المرحوم حسين آيت أحمد أو الدا الحسين، الذي أوصى بدفنه في زاوية أنشأها جده وتلقى بها تعليمه الأساسي وذلك ما جعله مفخرة لأي جزائري في النضال والدفاع عن الوطن والمطالبة بالاجماع الوطني والتمسك باصول وتقاليد جزائرية لم يستطع الاستعمار رغم مكوثه قرنا و ثلاثين سنة من التأثير عليها لأنها جزء من حياة الشعب الجزائري المكافح والمناهض لزرع البدع التي حاول هذا الاستعمار وأتباعه أن يلصقوها بالدور الاساسي للزوايا إلا أنه فشل كما فشل في حربه ضد جيش التحرير ومن عززوا صفوفه من خريجي مدارسها القرآنية.
بقلم مرابطي بغداد
FR
AR 
